محمد علاء منيعم يكتب: مصر ما بين العبورين

هناك تواريخ لا تسكن التقويم بل تسكننا، لا نعود إليها لنتذكر ما حدث، بل لنسأل أنفسنا من كنا قبلها
ومن اصبحنا بعدها.
في الذاكرة المصرية الحديثة تاريخان من هذا النوع يفصل بينهما أربعون عاما ويجمع بينهما مشهد واحد
هو ملحمة العبور، السادس من أكتوبر 1973 والثلاثون من يونيو 2013.
قبل أكتوبر لم يكن المشهد يحتمل خطبا متفائلة. سيناء محتلة منذ 67 والثقة مكسورة والكلام عن استعادة الأرض يبدو بعيدا مثل حلم. لكن ما حدث في تلك السنوات الست كان أعمق من الاستعداد العسكري. حرب استنزاف مرهقة وجيش يعاد بناؤه من الصفر وخطط ترسم على مهل. كأن البلد كلها كانت تقول لنفسها بصوت خافت: الهزيمة ليست قدرا. وحين جاءت لحظة السادس من أكتوبر ونزل الجنود إلى مياه القناة واقتحموا خط بارليف لم يكونوا يعبرون مانعا مائيا فقط. كانوا يعبرون فكرة أننا لا نقدر.
وقبل يونيو كان الثقل من نوع آخر.
بعد 2011 دخلنا في زمن ملتبس وصراخ سياسي لا ينتهي وقلق على البيت نفسه. أذكر جيدا ذلك الشعور العام بأن البلد تتفكك من الداخل دون عدو واضح على الحدود. وحين نزل الناس في الثلاثين من يونيو إلى الشوارع والميادين لم يكونوا يحتفلون بشيء. كانوا يبحثون عن مخرج وعن استعادة الإحساس بأن هناك دولة يمكن إنقاذها. وجاء الثالث من يوليو ليقفل بابا ويفتح آخر
حين أعلن فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي -حفظه الله-
وكان وزيرا للدفاع آنذاك بيان خارطة الطريق استجابة لإرادة الحشود.
أعرف أن الفارق كبير. أكتوبر كان حربا ضد احتلال خارجي ويونيو كان حراكا داخليا انتهى بتغيير سياسي. الأدوات مختلفة تماما والسياق مختلف. لكن ما يشبه بعضه بعضا هو تلك اللحظة التي تتكثف فيها إرادة الناس وتتحول إلى فعل. لحظة يقول فيها شعب: لن أبقى متفرجا.
الخدعة كلها في الاحتفال.
نحن نحب لحظة العبور لأنها واضحة وحاسمة ومضيئة. صورة العلم على الضفة الشرقية. صورة الميادين ممتلئة. لكن التاريخ لا يصنع في الصورة. يصنع في اليوم التالي.
سيناء لم تعد كلها في أكتوبر. عادت بعد سنوات طويلة من التفاوض والسياسة حتى طابا 89. الانتصار العسكري كان بداية الطريق لا نهايته.
وكذلك بعد يونيو. لم يكن بيان خارطة الطريق حلا سحريا. كان بداية مرحلة أصعب، إرهاب يضرب ومؤسسات منهكة واقتصاد يحتاج إلى إنعاش وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة بناء من الأساس.
هنا كانت قوة الطرح في قيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي -حفظه الله- الذي قاد مرحلة ما بعد العبور من منطق الاحتفال إلى منطق البناء بمشروعات قومية كبرى وإعادة تأسيس لمؤسسات الدولة. كأن العبور يمنحك فرصة ثم يتركك وحدك أمام السؤال الأصعب: ماذا ستفعل بهذه الفرصة؟
لهذا أعود دائما إلى نفس الفكرة عظمة مصر لأنها ترفض السقوط، جيل عبر القناة تحت القصف وهو يعرف أنه قد لا يعود، وجيل بعده عبر أزمة سياسية خانقة وهو يعرف أن الطريق بعده طويل وغير مضمون.
لا أحد منهما يشبه الآخر لكن كليهما فهم شيئا واحدا بالفطرة، أن تصل إلى الضفة الأخرى لا يعني أنك انتهيت.
بل يعني أن العمل الحقيقي بدأ الآن.
النصر لحظة. جميلة وتستحق الدموع الفرحة. لكن البناء هو الأهم و الأبقى.
تحية لشهداء اكتوبر المجيد
وتحية لكل شهداء الوطن الذين دفعوا أرواحهم ثمنا لأمن مصر واستقرارها
حفظ الله مصر قيادة و جيشا و شعبا