محمد علاء منيعم يكتب: الشنطة فيها كتاب دين

“الشنطة فيها كتاب دين”
جملة عشنا معها منذ الطفولة وكانت في أصلها فكرة بريئة من أفكارنا الصغيرة كنا نقولها حتى نحافظ على الشنطة من عبث أصدقاء الدراسة وحتى لا يفكر أحد في إتلافها أو تمزيقها بدافع المزاح أو الانتقام الطفولي
لكن بعض الأفكار التي تبدأ طفولية قد تكبر مع الإنسان وإذا لم تنضج مع نضجه تتحول من مجرد حيلة بريئة إلى طريقة كاملة في التفكير
هنا تبدأ المشكلة، تجد شخصا يتطاول على الجميع بسبب أو من دون سبب ويستخدم أقسى العبارات ولا يترك أحدا إلا وناله منه شيء من التجاوز ثم ما إن يصبح موضع تحقيق أو مساءلة حتى تبدأ أصوات التباكي عليه والمطالبة بعدم تداول الخبر وكأن المساءلة في حد ذاتها أصبحت جريمة
وتجد آخر تحول مع الوقت إلى ما يشبه صندوق قمامة فكريا يجمع داخله أفكارا متطرفة أو آراء شاذة عن السياق الديني والمجتمعي ثم يحاول تقديمها باعتبارها حرية رأي وتعبيرا عن الاختلاف
الحقيقة أن احترام الحريات لا يعني قبول التجاوز واحترام الرأي الآخر لا يعني إسقاط حق المجتمع في أن يناقش هذا الرأي وينقده ويرفض ما يراه متعارضا مع قيمه وثوابته، الحرية مسؤولية قبل أن تكون امتيازا والاختلاف حق لكنه ليس حصانة من النقد
هناك نوع ثالث أكثر خطورة على الحياة العامة، شخص يحمل فكرا سياسيا أو اقتصاديا تجاوزه الزمن وما زال يعيش على أمجاد مرحلة انتهت وكلما تحدث استشهد بجملة، لما كنا في حزب كذا كنا بنعمل كذا
يا صديقي
ذلك الحزب انتهى وتلك المرحلة انتهت والسياسة نفسها تغيرت والمجتمع تغير والناس تغيرت
من لا يتطور فكريا مع تطور الواقع يصبح أسيرا للماضي ثم يتحول تدريجيا من صاحب تجربة إلى أسير لتجربته
والمشكلة ليست في أن يكون للإنسان تاريخ بل في أن يتحول تاريخه إلى بديل عن الحاضر
فالأفكار التي لا تتجدد تصدأ والمواقف التي لا تراجع نفسها تتحول إلى جمود والجمود في السياسة والاقتصاد والمجتمع لا يقود إلا إلى التراجع
لكن الخوف، ليس من صاحب الشنطة القديم الذي تعرف أفكاره وأدواته وإنما من صاحب الشنطة الجديد
ذلك الذي يظهر لك في صورة عصرية ويتحدث بلغة جديدة ويرتدي ثوب التطور والانفتاح لكنه في داخله يحمل جينا فكريا خبيثا من جماعات أهل الشر أو يحمل نفس المنهج القديم ولكن بواجهة جديدة
فالخطر الحقيقي ليس دائما فيما نراه على السطح وإنما فيما تحمله الشنطة
لهذا، لا تحكم على الإنسان من مظهره ولا على الفكرة من طريقة تقديمها ولا على الخطاب من الكلمات الجميلة التي تحيط به
افتح الشنطة فكريا، وانظر ماذا بداخلها، ليس كل من حمل كتابا كان صاحب علم وليس كل من تحدث عن الحرية كان مؤمنا بها وليس كل من ارتدى ثوب الحداثة كان حديث الفكر
وتبقى القاعدة الأهم، العبرة دائما بما يحمله العقل لا بما تحمله الشنطة